فصل: تفسير الآية رقم (72)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏65‏]‏

‏{‏لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ‏(‏65‏)‏‏}‏

‏{‏لَّوْ نَشَاء لجعلناه حطاما‏}‏ هشيماً متكسراً متفتتاً لشدة يبسه بعدما أنبتناه وصار بحيث طمعتم في حيازة غلاله ‏{‏فَظَلْتُمْ‏}‏ بسبب ذلك ‏{‏تَفَكَّهُونَ‏}‏ تتعجبون من سوء حاله إثر ما شاهدتموه على أحسن ما يكون من الحال على ما روى عن ابن عباس‏.‏ ومجاهد‏.‏ وقتادة، وقال الحسن‏:‏ تندمون أي على ما تعبتم فيه، وأنفقتم عليه من غير حصول نفع، أو على ما اقترفتم لأجله من المعاصي، وقال عكرمة‏:‏ تلاومون على ما فعلتم، وأصله التفكه التنقل بصنوف الفاكهة واستعير للتنقل بالحديث وهو هنا ما يكون بعد هلاك الزرع وقد كنى به في الآية عن التعجب، أو الندم‏.‏ أو التلاوم على اختلاف التفاسير، وفي «البحر» كل ذلك تفسير باللازم، ومعنى ‏{‏تَفَكَّهُونَ‏}‏ تطرحون الفكاهة عن أنفسكم وهي المسرة، ورجل فكه منبسط النفس غير مكترث بشيء وتفكه من أخوات تحرج وتحوب أي إن التفعل فيه للسلب‏.‏

وقرأ أبو حيوة‏.‏ وأبو بكر في رواية العتكي عنه ‏{‏فَظَلْتُمْ‏}‏ بكسر الظاء كما قالوا‏:‏ مست بالكسر ومست بالفتح، وحكاها الثوري عن ابن مسعود وجاءت عن الأعمش، وقرأ عبد الله‏.‏ والجحدري فظللتم بلامين أولاهما مكسورة، وقرأ الجحدري أيضاً كذلك مع فتح اللام والمشهور ظللت بالكسر، وقرأ أبو حزام تفكنون بالنون بدل الهاء، قال ابن خالويه‏:‏ تفكه بالهاء تعجب، وتفكن بالنون تندم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏66‏]‏

‏{‏إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ‏(‏66‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا لَمُغْرَمُونَ‏}‏ أي معذبون مهلكون من الغرام وهو الهلاك قال الشاعر‏:‏ إن يعذب يكن ‏(‏غراما‏)‏‏}‏ وإن يع *** ط جزيلاً فإنه لا يبالي

والمراد مهلكون بهلاك رزقنا، وقيل‏:‏ بالمعاصي أو ملزمون غرامة بنقص رزقنا، وقرأ الأعمش‏.‏ والجحدري‏.‏ وأبو بكر أئنا بالاستفهام والتحقيق، والجملة على القراءتين بتقدير قول هو في حيز النصب على الحالية من فاعل تفكهون أي قائلين، أو تقولون ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏67‏]‏

‏{‏بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

‏{‏بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ‏}‏ محدودون لا مجدودون أو محرومون الرزق كأنهم لما قالوا إنا مهلكون لهلاك رزقنا أضربوا عنه وقالوا‏:‏ بل هذا أمر قدر علينا لنحوسة طالعنا وعدم بختنا، أو لما قالوا‏:‏ إنا ملزمون غرامة بنقص أرزاقنا أضربوا فقالوا‏:‏ ‏{‏بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ‏}‏ الرزق بالكلية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏68‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ‏(‏68‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَرَءيْتُمُ الماء الذى تَشْرَبُونَ‏}‏ عذباً فراتاً، وتخصيص هذا الوصف بالذكر مع كثرة منافعه لأن الشرب أهم المقاصد المنوطة به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏69‏]‏

‏{‏أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

‏{‏ءأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن‏}‏ أي السحاب واحدته مزنة، قال الشاعر‏:‏

فلا مزنة ودقت ودقها *** ولا أرض أبقل إبقالها

وقيل‏:‏ هو السحاب الأبيض وماؤه أعذب ‏{‏أَمْ نَحْنُ المنزلون‏}‏ له بقدرتنا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏70‏]‏

‏{‏لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

‏{‏لَوْ نَشَاء جعلناه أُجَاجاً‏}‏ ملحاً ذعاقاً لا يمكن شربه من الأجيج وهو تلهب النار، وقيل‏:‏ الأجاج كل ما يلذع الفم ولا يمكن شربه فيشمل الملح والمر والحار، فإما أن يراد ذلك، أو الملح بقرينة المقام وحذفت اللام من جواب لو ههنا للقرينة اللفظية والحالية ومتى أجاز حذف لم أر في قول أوس‏:‏ حتى إذا الكلاب قال لها *** ‏(‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏‏}‏ كاليوم مطلوباً ولا طلبا

والقرينة حالية فأولى أن يجوز حذفها وحدها لذلك على ما قرره الزمخشري، وقرر وجهاً آخر حاصله أن اللام لمجرد التأكيد فتناسب مقام التأكيد فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمره مقدم على أمره، وأن الوعيد بفقده أشدّ وأصعب من قبل أن المشروب تبع له ألا يرى أن الضيف يسقي بعد أن يطعم، وقد ذكر الأطباء أن الماء مبذرق، ويؤيد ذلك تقديمه على المشروب في النظم الجليل، وللإمام في هذا المقام كلام طويل اعترض به على الزمخشري وبين فيه وجه الذكر أولاً والحذف ثانياً، ولم أره أتى بما يشرح الصدر، وخير منه عندي قول ابن الأثير في المثل السائل‏:‏ إن اللام أدخلت في المطعوم دون المشروب لأن جعل الماء العذب ملحاً أسهل إمكاناً في العرف والعادة والموجود من الماء الملح أكثر من الماء العذب، وكثيراً ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحاً إلى زيادة تأكيد فلذا لم تدخل لام التأكيد المفيدة لزيادة التحقيق، وأما المطعوم فإن جعله حطاماً من الأشياء الخارجة عن المعتاد وإذا وقع يكون عن سخط شديد، فلذا قرن باللام لتقرير إيجاده وتحقيق أمره انتهى‏.‏

‏{‏فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ‏}‏ تحضيض على شكر الكل لأنه أفيد دون عذوبة الماء فقط كما ذهب إليه البعض‏.‏

نعم أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أذا شرب الماء قال‏:‏ الحمد لله الذي سقانا عذباً فراتاً برحمته ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏71‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ‏(‏71‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَرَءيْتُمُ النار التى تُورُونَ‏}‏ أي تقدحونها وتستخرجونها من الزناد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏72‏]‏

‏{‏أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ‏(‏72‏)‏‏}‏

‏{‏ءأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا‏}‏ التي منها الزناد وهي المرخ والعفار، وقيل‏:‏ المراد بالشجرة نفس النار كأنه قيل‏:‏ نوعها أو جنسها فاستعير الشجرة لذلك وهو قول متكلف بلا حاجة‏.‏

‏{‏أَمْ نَحْنُ المنشئون‏}‏ لها بقدرتنا والتعبير عن خلقها بالإنشاء المنبىء عن بديع الصنع المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينها وبين سائر الأشجار التي لا تخلو عن النار حتى قيل في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 14‏]‏ لذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏73‏]‏

‏{‏نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ‏(‏73‏)‏‏}‏

‏{‏نَحْنُ جعلناها تَذْكِرَةً‏}‏ استئناف معين لمنافعها أي جعلناها تذكيراً لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها ويذكروا بها ما أوعدوا به، أو جعلناها تذكرة وأنموذجاً من جهنم لما في «الصحيحين» وغيرهما عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم ‏"‏ وعلى الوجهين التذكرة من الذكر المقابل للنسيان ولم ينظر في الأول إلى أنها من جنس نار جهنم أولاً وفي الثاني نظر إلى ذلك، وقيل‏:‏ تبصرة في أمر البعث لأن من أخرج النار من الشجر الأخضر المضاد لها قادر على إعادة ما تفرقت مواده، وقيل‏:‏ تبصرة في الظلام يبصر بضوئها، وفيه أن التذكرة لا تكون بمعنى التبصرة المأخوذة من البصر وكون المراد تذكرة لنار جهنم هو المأثور عن الكثيرين، ومنهم ابن عباس‏.‏ ومجاهد‏.‏ وقتادة ‏{‏ومتاعا‏}‏ ومنفعة ‏{‏لّلْمُقْوِينَ‏}‏ للذين ينزلون القواء وهي القفر من أقوى دخل القواء كأصحر دخل الصحراء وتخصيص المقوين بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين، أو النازلين بقرب منهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد‏.‏

وقيل‏:‏ ‏{‏لّلْمُقْوِينَ‏}‏ أي المسافرين، ورواه جمع عن ابن عباس‏.‏ وعبد بن حميد عن الحسن، وهو‏.‏ وابن جرير‏.‏ وعبد الرزاق عن قتادة بزيادة كم من قوم قد سافروا ثم أرملوا فأججوا ناراً فاستدفئوا وانتفعوا بها، وكان إطلاق المقوين على المسافرين لأنهم كثيراً ما يسلكون القفراء والمفاوز، وقيل‏:‏ ‏{‏لّلْمُقْوِينَ‏}‏ للفقراء يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد كأنه تصور من حال الحاصل في القفر الفقر، فقيل‏:‏ أقوى فلان أي افتقر كقولهم أترب وأرمل، وقال ابن زيد‏:‏ للجائعين لأنهم أقوت أي خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام فهم يحتاجون إليها لطبخ ما يأكلون وخصوا على ما قيل لأن غيرهم يتنعم بها لا يجعلها متاعاً، وتعقب بأنه بعيد لعدم انحصار ما يهمهم ويسدّ خلتهم فيما لا يؤكل إلا بالطبخ، وقال عكرمة‏.‏ ومجاهد‏:‏ المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين يستضيئون بها ويصطلون من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز، قال العلامة الطيبي‏.‏ والطبرسي‏:‏ وعلى هذا القول المقوى من الأضداد يقال للفقير‏:‏ مقو لخلوه من المال، وللغنى مقو لقوّته على ما يريد يقال‏:‏ أقوى الرجل إذا صار إلى حال القوة والمعنى متاعاً للأغنياء والفقراء لأنه لا غنى لأحد عنها انتهى‏.‏

وفيه بحث لا يخفى، ولعل الأقرب عليه أنه أريد بالاقواء الاحتياج والمستمتع بها محتاج إليها فتدبر، وتأخير هذه المنفعة للتنبيه على أن الأهم هو النفع الأخروي وتقديم أمر الماء على أمر النار لأن الاحتياج إليه أشد وأكثر والانتفاع به أعم وأوفر، وقال بعضهم‏:‏ قدم خلق الإنسان من نطفة لأن النعمة في ذلك قبل النعمة في الثلاثة بعد، ثم ذكر بعده ما به قوام الإنسان من فائدة الحرث وهو الطعام الذي لا يستغنى عنه الجسد الحي وذلك الحب الذي يختبز فيحتاج بعد حصوله إلى حصول الماء ليعجن به فلذا ذكر بعده ثم إلى النار لتصيره خبزاً فلذا ذكرت بعد الماء وهو كما ترى، واستحسن بعضهم من القارىء أن يقول بعد كل جملة استفهامية من الجمل السابقة‏:‏ بل أنت يا رب، فقد أخرج عبد الرزاق‏.‏

وابن المنذر‏.‏ والحاكم‏.‏ والبيهقي في «سننه» عن حجر المروى قال‏:‏ بت عند عليّ كرم الله تعالى وجهه فسمعته وهو يصلي بالليل يقرأ فمر بهذه الآية ‏{‏أَفَرَءيْتُم مَّا تَخْلُقُونَهُ أَم إِن نَّحْنُ الخالقون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 58‏.‏ 59‏]‏ فقال‏:‏ بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ ‏{‏تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزرعون لَوْ‏}‏ فقال‏:‏ بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ ‏{‏أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون لَوْ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 69‏]‏ فقال‏:‏ بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ ‏{‏أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المنشئون نَحْنُ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 72‏]‏ فقال‏:‏ بل أنت يا رب ثلاثاً، وأنت تعلم أن في استحسان قول مثل ذلك في الصلاة اختلافاً بين العلماء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏74‏]‏

‏{‏فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ‏(‏74‏)‏‏}‏

‏{‏فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم‏}‏ مرتب على ما عدد من بدائع صنعه عز وجل وودائع نعمه سحبانه وتعالى، والمراد على ما قيل‏:‏ أحدث التسبيح تنزيلاً للفعل المتعدي منزلة اللازم، وأريد من إحداثه استمراره لا إيجاده لأنه عليه الصلاة والسلام غير معرض عنه، وتعقبه الطيبي بأن هذا عكس ما يقتضيه لفظ الإحداث، فالمراد تجديد التسبيح، وفي الكلام إضمار أي سبح بذكر اسم ربك، أو الاسم مجاز عن الذكر فإن إطلاق الاسم للشيء ذكره، والباء للاستعانة أو الملابسة وكونها للتعدية كما هو ظاهر كلام أبي حيان ليس بشيء، والعظيم صفة للاسم، أو للرب، وتعقيب الأمر بالتسبيح لما عدد إما لتنزيهه تعالى عما يقولوه الجاحدون لوحدانيته عز وجل الكافرون بنعمه سبحانه مع عظمها وكثرتها، أو للشكر على تلك النعم السابقة لأن تنزيهه تعالى وتعظيمه جل وعلا بعد ذكر نعمه سبحانه مدح عليها فهو شكر للمنعم في الحقيقة، أو للتعجب من أمر الكفرة في غمط تلك النعم الباهرة مع جلالة قدرها وظهور أمرها؛ وسبحان ترد للتعجب مجازاً مشهوراً فسبح بمعنى تعجب، وأصله فقل سبحان الله للتعجب وفيه بعد وما تقدم أظهر‏.‏

هذا وجوز أن لا يكون في ‏{‏باسم رَبّكَ‏}‏ إضمار ولا مجاز بل يبقى على ظاهره فقد قالوا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 1‏]‏‏:‏ كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته سبحانه عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب وهو أبلغ لأنه يلزمه تقديس ذاته عز وجل بالطريق الأولى على طريق الكناية الرمزية، وفيه أنه إنما يتأتى لو لم تذكر الباء، وجعلها زائدة خلاف الظاهر، وحال كونها للتعدية قد سمعته، وجعل بعضهم على هذا الخطاب لغير معين فقال‏:‏ إنه تعالى لما ذكر ما ذكر من الأمور وكان الكل معترفين بأنها من الله تعالى وكان الكفار إذا طولبوا بالوحدانية قالوا‏:‏ نحن لا نشرك في المعنى وإنما نتخذ أصناماً آلهة وذلك إشراك في الاسم، والذي خلقنا وخلق السموات والأرض هو الله تعالى فنحن ننزهه في الحقيقة قال سبحانه‏:‏ ‏{‏فَسَبّحْ باسم رَبّكَ‏}‏ على معنى كما أنك أيها الغافل اعترفت بعدم اشتراكها في الحقيقة اعترف بعدم اشتراكها في الاسم ولا تقل لغيره تعالى إلهاً فإن الاسم يتبع المعنى والحقيقة، فالخطاب كالخطاب في قول الواعظ يا مسكين أفنيت عمرك وما أصلحت أمرك لا يريد به أحداً بعينه، وإنما يريد أيها المسكين السامع وهو كما ترى، نعم احتمال عموم الخطاب مما لا ينكر لكن لا يتعين عليه هذا التقرير، ثم الظاهر أن المراد بذكر الرب أو ذكر اسمه سبحانه على ما تقرر سابقاً ما هو المتبادر المعروف‏.‏

وفي «الكشف» إن المراد بذلك تلاوته صلى الله عليه وسلم للقرآن أو لهذه السورة الكريمة المتضمنة لإثبات البعث والجزاء ومراتب أهله لينطبق عليه قوله تعالى بعد‏:‏

‏{‏فَلاَ أُقْسِمُ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 57‏]‏ وعلى الأول لا بد من إضمار أي فسبح باسم ربك وامتثل ما أمرت به فأقسم أنه لقرآن، والغرض تأكيد الأمر بالتسبيح، وأنا أقول يتأتى الانطباق على الظاهر أيضاً سوى أنه يعتبر في الكلام إضمار ولا بأس بأن يقال‏:‏ إنه تعالى لما ذكر ما ذكر من النعم الجليلة الداعية لتوحيده سبحانه ووصفه بما يليق به عز وجل قال سبحانه‏:‏ ‏{‏فَسَبّحْ باسم رَبّكَ‏}‏ أي فنزهه تعالى عما يقولون في وصفه سبحانه، وأقبل على إنذارهم بالقرآن والاحتجاج عليهم به بعد الاحتجاج بما ذكرنا فأقسم أنه لقرآن كيت وكيت فلا في قوله عز وجل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏75‏]‏

‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ‏(‏75‏)‏‏}‏

‏{‏فَلاَ أُقْسِمُ‏}‏ مزيدة للتأكيد مثلها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 29‏]‏ أو هي لام القسم أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف نظير ما في قوله‏:‏ أعوذ بالله من العقراب *** واختاره أبو حيان ثم قال‏:‏ وهو وإن كان قليلاً فقد جاء نظيره في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 37‏]‏ بياء بعد الهمزة وذلك في قراءة هشام‏.‏

ويؤيد قراءة الحسن‏.‏ وعيسى‏.‏ فلا قسم وهو مبني على ما ذهب إليه تبعاً لبعض النحويين من أن فعل الحال يجوز القسم عليه فيقال‏:‏ والله تعالى ليخرج زيد وعليه قول الشاعر‏:‏ ليعلم ربي أن بيتي واسع *** وحينئذ لا يصح أن يقرن الفعل بالنون المؤكدة لأنها تخلصه للاستقبال خلاف المراد، والذي اختاره ابن عصفور‏.‏ والبصريون أن فعل الحال كما هنا لا يجوز أن يقسم عليه ومتى أريد من الفعل الاستقبال لزمت فيه النون المؤكدة فقيل‏:‏ لأقسمن وحذفها ضعيف جداً، ومن هنا خرجوا قراءة الحسن‏.‏ وعيسى على أن اللام لام الابتداء والمبتدا محذوف لأنها لا تدخل على الفعل والتقدير فلأنا أقسم، وقيل‏:‏ نحوه في قراءة الجمهور على أن الألف قد تولدت من الاشباع، وتعقب بأن المبتدا إذا دخل عليه لام الابتداء يمتنع أو يقبح حذفه لأن دخولها لتأكيده وهو يقتضي الاعتناء به وحذفه يدل على خلافه، وقال سعيد بن جبير‏.‏ وبعض النحاة‏:‏ لا نفي وردّ لما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة كأنه قيل‏:‏ فلا صحة لما يقولون فيه ثم استؤنف فقيل‏:‏ ‏{‏أُقْسِمُ‏}‏ الخ، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز لما فيه من حذف اسم لا وخبرها في غير جواب سؤال نحو لا في جواب هل من رجل في الدار، وقيل‏:‏ الأولى فيما إذا قصد بلا نفي لمحذوف واستئناف لما بعدها في اللفظ الاتيان بالواو نحو لا وأطال الله تعالى بقاءك، وقال‏:‏ بعضهم إن لا كثيراً ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح كما في قوله‏:‏ ‏(‏لا وأبيك‏)‏ ابنة العامري *** لا يدّعي القوم إني أفرّ

وقال أبو مسلم وجمع‏:‏ إن الكلام على ظاهره المتبادر منه، والمعنى لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أي لا يحتاج إلى قسم مّا فضلاً عن أن هذا القسم العظيم، فقول مفتي الديار الرومية أنه يأباه تعيين المقسم به وتفخيمه ناشيء عن الغفلة على ما لا يخفى على فطن ‏{‏بمواقع النجوم‏}‏ أي بمساقط كواكب السماء ومغاربها كما جاء في رواية عن قتادة‏.‏ والحسن على أن الوقوع بمعنى السقوط والغروب وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، ولذا استدل الخليل عليه السلام بالأفول على وجود الصانع جل وعلا، أو لأن ذلك وقت قيام المتهدين والمبتهلين إليه تعالى وأوان نزول الرحمة والرضوان عليهم‏.‏

وقد أخرج البخاري‏.‏ ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً ‏"‏ ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ‏"‏ وعن الحسن أيضاً المراد مواقعها عند الانكدار يوم القيامة قيل‏:‏ وموقع عليه مصدر ميمي أو اسم زمان ولعل وقوعها ذلك اليوم ليس دفعة واحدة والتخصيص لما في ذلك من ظهور عظمته عز وجل وتحقق ما ينكره الكفار من البعث، وعن أبي جعفر‏.‏ وأبي عبد الله على آبائهما وعليهما السلام المراد مواقعها عند الانقضاض إثر المسترقين السمع من الشياطين، وقد مرّ لك تحقيق أمر هذا الانقضاض فلا تغفل، وقيل‏:‏ مواقع النجوم هي الأنواء التي يزعم الجاهلية أنهم يمطرون بها، ولعله مأخوذ من بعض الآثار الواردة في سبب النزول وسنذكره إن شاء الله تعالى وليس نصاً في إرادة الأنواء بل يجوز عليه أن يراد المغارب مطلقاً‏.‏

وأخرج عبد الرزاق‏.‏ وابن جرير عن قتادة أنها منازلها ومجاريها على أن الوقوع النزول كما يقال‏:‏ على الخبير سقطت وهو شائع والتخصيص لأن له تعالى في ذلك من الدليل على عظيم قدرته وكمال حكمته ما لا يحيط به نطاق البيان، وقال جماعة منهم ابن عباس‏:‏ النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها‏.‏

وأخرج النسائي‏.‏ وابن جرير‏.‏ والحاكم وصححه‏.‏ والبيهقي في «الشعب» عنه أن قال‏:‏ ‏"‏ أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين ‏"‏ وفي لفظ ‏"‏ ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوماً ثم قرأ فلا أقسم بمواقع النجوم ‏"‏ وأيد هذا القول بأن الضمير في قوله تعالى بعد‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقُرْءانٌ‏}‏ يعود حينئذٍ على ما يفهم من مواقع النجوم حتى يكاد يعدّ كالمذكور صريحاً ولا يحتاج إلى أن يقال يفسره السياق كما في سائر الأقوال، ووجه التخصيص أظهر من أن يخفى، ولعل الكلام عليه من باب‏:‏ وثناياك إنها إغريض *** وقرأ ابن عباس‏.‏ وأهل المدينة‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي ‏{‏بمواقع‏}‏ مفرداً مراداً به الجمع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏76‏]‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ‏(‏76‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ‏}‏ مشتمل على اعتراض في ضمن آخر فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنَّهُ لَقَسَمٌ‏}‏ ‏{‏عظِيمٌ‏}‏ معترض بين القسم والمقسم عليه وهو قوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏77‏]‏

‏{‏إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ‏(‏77‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ‏}‏ وهو تعظيم للقسم مقرر مؤكد له، وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَّوْ تَعْلَمُونَ‏}‏ معترض بين الصفة والموصوف وهو تأكيد لذلك التعظيم وجواب ‏{‏لَوْ‏}‏ إما متروك أريد به نفي علمهم أو محذوف ثقة بظهوره أي لعظمتموه أو لعملتم بموجبه، ووجه كون ذلك القسم عظيماً قد أشير إليه فيما مر، أو هو ظاهر بناءاً على أن المراد ‏{‏بمواقع النجوم‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 75‏]‏ ما روي عن ابن عباس‏.‏ والجماعة، ومعنى كون القرآن كريماً أنه حسن مرضي في جنسه من الكتب أو نفاع جم المنافع، وكيف لا وقد اشتمل على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش، والمعاد، والكرم على هذا مستعار كما قال الطيبي من الكرم المعروف‏.‏

وقيل‏:‏ الكرم أعم من كثرة البذل والإحسان والاتصاف بما يحمد من الأوصاف ككثرة النفع فإنه وصف محمود فكونه كرماً حقيقة، وجوز أن يراد كريم على الله تعالى قيل‏:‏ وهو يرجع لما تقدم، وفيه تقدير من غير حاجة وأياً مّا كان فمحط الفائدة الوصف المذكور قيل‏:‏ إن مرجع الضمير هو القرآن لا من حيث عنوان كونه قرآناً فبمجرد الإخبار عنه بأنه قرآن تحصل الفائدة أي إنه لمقروء على نلا أنه أنشأه كما زعمه الكفار، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏78‏]‏

‏{‏فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ‏(‏78‏)‏‏}‏

‏{‏فِي كتاب مَّكْنُونٌ‏}‏ وصف آخر للقرآن أي كائن في كتاب مصون عن غير المقربين من الملائكة عليهم السلام لا يطلع عليه من سواهم، فالمراد به اللوح المحفوظ كما روي عن الربيع بن أنس وغيره، وقيل‏:‏ أي في كتاب مصون عن التبديل والتغيير وهو المصحف الذي بأيدي المسلمين ويتضمن ذلك الإخبار بالغيب لأنه لم يكن إذ ذاك مصاحف، وأخرج عبد بن حميد‏.‏ وابن جرير عن عكرمة أنه قال‏:‏ في كتاب أي التوراة والإنجيل، وحكي ذلك في «البحر» ثم قال‏:‏ كأنه قال‏:‏ ذكر في كتاب مكنون كرمه وشرفه، فالمعنى على هذا الاستشهاد بالكتب المنزلة انتهى‏.‏

والظاهر أنه أريد على هذا بالكتاب الجنس لتصح إرادة التوراة والإنجيل، وفي وصف ذلك بالمكنون خفاء ولعله أريد به جليل الشأن عظيم القدر فإن الستر كاللازم للشيء الجليل، وجوز إرادة هذا المعنى المجازي على غير هذا القول من الأقوال، وقيل‏:‏ الكتاب المكنون قلب المؤمن وهو كما ترى‏.‏

وقيل‏:‏ المراد من كونه في كتاب مكنون كونه محفوظاً من التغيير والتبديل ليس إلا كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّا لَهُ لحافظون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 9‏]‏ والمعول عليه ما تقدم، وجوز تعلق الجار بكريم كما يقال زيد كريم في نفسه، والمعنى إنه كريم في اللوح المحفوظ وإن لم يكن كريماً عند الكفار، والوصفية أبلغ كما لا يخفى، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏79‏]‏

‏{‏لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ‏(‏79‏)‏‏}‏

‏{‏لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون‏}‏ إما صفة بعد صفة لكتاب مراداً به اللوح، فالمراد بالمطهرون الملائكة عليهم السلام أي المطهرون المنزهون عن كدر الطبيعة ودنس الحظوظ النفسية، وقيل‏:‏ عن كدر الأجسام ودنس الهيولى والطهارة عليهما طهارة معنوية، ونفى مسه كناية عن لازمه وهو نفي الاطلاع عليه وعلى ما فيه، وإما صفة أخرى لقرآن‏.‏

والمراد بالمطهرون المطهرون عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر بحمل الطهارة على الشرعية، والمعنى لا ينبغي أن يمس القرآن إلا من هو على طهارة من الناس فالنفي هنا نظير ما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 3‏]‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ‏"‏ الحديث وهو بمعنى النهي بل أبلغ من النهي الصريح، وهذا أحد أوجه ذكروها للعدول عن جعل لا ناهية، وثانيها‏:‏ أن المتبادر كون الجملة صفة والأصل فيها أن تكون خبرية ولا داعي لاعتبار الإنشائية وارتكاب التأويل، وثالثها‏:‏ أن المتبادر من الضمة أنها إعراب فالحمل على غيره فيه إلباس، ورابعها‏:‏ أن عبد الله قرأ ما يمسه وهي تؤيد أن لا نافية وكون المراد بالمطهرين الملائكة عليهم السلام مروى من عدة طرق عن ابن عباس، وكذا أخرجه جماعة عن أنس‏.‏ وقتادة‏.‏ وابن جبير‏.‏ ومجاهد‏.‏ وأبي العالية‏.‏ وغيرهم إلا أن في بعض الآثار عن بعض هؤلاء ما هو ظاهر في أن الضمير في ‏{‏لاَّ يَمَسُّهُ‏}‏ مع كون المراد بالمطهرين الملائكة عليهم السلام راجع إلى القرآن‏.‏

أخرج عبد بن حميد‏.‏ وابن جرير عن قتادة أنه قال‏:‏ في الآية ذاك عند رب العالمين لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس، والمنافق الرجس، وأخرجاهما‏.‏ وابن المنذر‏.‏ والبيهقي في المعرفة عن الحبر قال‏:‏ في الآية الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا الملائكة، ويشير إليه ما أخرج ابن المنذر عن النعيمي قال‏:‏ قال مالك‏:‏ أحسن ما سمعت في هذه الآية ‏{‏لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون‏}‏ أنها بمنزلة الآية التي في عبس ‏{‏كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ فَى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 11 16‏]‏ وكون المراد بهم المطهرين من الأحداث مروى عن محمد الباقر على آبائه وعليه السلام‏.‏ وعطاء‏.‏ وطاوس‏.‏ وسالم‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور‏.‏ وابن أبي شيبة في «المصنف»‏.‏ وابن المنذر‏.‏ والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن زيد قال‏:‏ كنا مع سلمان يعني الفارسي رضي الله تعالى عنه فانطلق إلى حاجة فتوارى عنا فخرج إلينا فقلنا لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن‏؟‏ فقال‏:‏ سلوني فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون ثم تلا ‏{‏لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون‏}‏، وقيل‏:‏ الجملة صفة لقرآن، والمراد بالمطهرون المطهرون من الكفر، والمس مجاز عن الطلب كاللمس في قوله تعالى‏:‏

‏{‏أَنَاْ لَمَسْنَا السماء‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 8‏]‏ أي لا يطلبه إلا المطهرون من الكفر، ولم أر هذا مروياً عن أحد من السلف، والنفي عليه على ظاهره، ورجح جمع جعل الجملة وصفاً للقرآن لأن الكلام مسوق لحرمته وتعظيمه لا لشأن الكتاب المكنون، وإن كان في تعظيمه تعظيمه‏.‏ وصحح الإمام جعلها وصفاً للكتاب وفيه نظر وعلى الوصفية للقرآن ذهب من ذهب إلى اختيار تفسير المطهرين بالمطهرين عن الحدث الأكبر والأصغر‏.‏

وفي «الأحكام» للجلال السيوطي استدل الشافعي بالآية على منع المحدث من مس المصحف وهو ظاهر في اختيار ذلك، والاحتمال جعل الجملة صفة للكتاب المكنون أو للقرآن، وكون المراد بالمطهرين الملائكة المقربين عليهم السلام على ما سمعت عن ابن عباس‏.‏ وقتادة عدل الأكثرون عن الاستدلال بها على ذلك إلى الاستدلال بالأخبار، فقد أخرج الإمام مالك‏.‏ وعبد الرزاق‏.‏ وابن أبي داود‏.‏ وابن المنذر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم‏:‏ ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا يمس القرآن إلا طاهر ‏"‏ إلى غير ذلك، وقال بعضهم‏:‏ يجوز أن يؤخذ منع مس غير الطاهر القرآن من الآية على الاحتمالين الآخرين أيضاً، وذلك لأنها أفادت تعظيم شأن القرآن وكونه كريماً، والمس بغير طهر مخل بتعظيمه فتأباه الآية وهو كما ترى، وأطال الإمام الكلام في هذا المقام بما لا يخفى حاله على من راجعه، نعم لا شك في دلالة الآية على عظم شأن القرآن ومقتضى ذلك الاعتناء بشأنه ولا ينحصر الاعتناء بمنع غير الطاهر عن مسه بل يكون بأشياء كثيرة كالإكثار من تلاوته والوضوء لها وأن لا يقرأه الشخص وهو متنجس الفم فإنه مكروه‏.‏

وقيل‏:‏ حرام كالمس باليد المتنجسة، وكون القراءة في مكان نظيف، والقارىء مستقبل القبلة متخشعاً بسكينة ووقار مطرقاً رأسه، والاستياك لقراءته، والترتيل، والتدبر، والبكاء، أو التباكي، وتحسين الصوت بالقراءة وأن لا يتخذه معيشة، وأن يحافظ على أن لا ينسى آية أوتيها منه، فقد أخرج أبو داود وغيره «عرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها، وأن لا يجامع بحضرته فإن أراد ستره، وأن لا يضع غيره من الكتب السماوية وغيرها فوقه، وأن لا يقلب أوراقه بأصبع عليها بزاق ينفصل منه شيء فقد قيل‏:‏ بكفر من يفعل ذلك، إلى أمور أخر مذكورة في محالها، وفي وجوب كون القارىء طاهراً من الأحداث خلاف، فعن ابن عباس في رواية أنه يجوز للجنب قراءة القرآن، وروي ذلك أيضاً عن الإمام أبي حنيفة، وعن ابن عمر أحبّ إلي أن لا يقرأ إلا طاهر وكأنهم اعتبروه كسائر الأذكار والفرق مثل الشمس ظاهر‏.‏

وقرأ عيسى ‏{‏المطهرون‏}‏ اسم مفعول مخففاً من أطهر، ورويت عن نافع‏.‏ وأبي عمرو، وقرأ سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه ‏{‏المطهرون‏}‏ بتخفيف الطاء وتشديد الهاء وكسرها اسم فاعل من طهر أي ‏{‏المطهرون‏}‏ أنفسهم، أو غيرهم بالاستغفار لهم والإلهام، وعنه أيضاً ‏{‏المطهرون‏}‏ بتشديدهما وأصله المتطهرون فأدغم التاء بعد إبدالها في الطاء؛ ورويت عن الحسن‏.‏ وعبد الله بن عون، وقرىء المتطهرون على الأصل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏80‏]‏

‏{‏تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏80‏)‏‏}‏

‏{‏تَنزِيلٌ مّن رَّبّ العالمين‏}‏ صفة أخرى للقرآن أي منزل، أو وصف بالمصدر لأنه ينزل نجوماً من بين سائر كتب الله تعالى فكأنه في نفسه تنزيل ولذلك أجري مجرى بعض أسمائه فقيل جاء في التنزيل كذا ونطق به التنزيل‏.‏

وجوز كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل على الاستئناف، وقرىء تنزيلاً بالنصب على نزل تنزيلاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏81‏]‏

‏{‏أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ‏(‏81‏)‏‏}‏

‏{‏أفبهذا الحديث‏}‏ أي أتعرضون فبهذا الحديث الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة لإعظامه وإجلاله والإيمان بما تضمنه وأرشد إليه وهو القرآن الكريم ‏{‏أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ‏}‏ متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به، وأصل الإدهان كما قيل‏:‏ جعل الأديم ونحوه مدهوناً بشيء من الدهن ولما كان ذلك مليناً ليناً محسوساً يراد به اللين المعنوي على أنه تجوز به عن مطلق اللين أو استعير له، ولذا سميت المداراة مداهنة وهذا مجاز معروف ولشهرته صار حقيقة عرفية، ولذا تجوز به هنا عن التهاون أيضاً لأن المتهاون بالأمر لا يتصلب فيه، وعن ابن عباس‏.‏ والزجاج ‏{‏مُّدْهِنُونَ‏}‏ أي مكذبون، وتفسيره بذلك لأن التكذيب من فروع التهاون‏.‏

وعن مجاهد أي منافقون في التصديق به تقولون للمؤمنين آمنا به وإذا خلوتم إلى إخوانكم قلتم إنا معكم والخطاب عليه للمنافقين وما قدمناه أولى، والخطاب عليه للكفار كما يقتضيه السياق‏.‏

وجوز أن يراد بهذا الحديث ما تحدثوا به من قبل في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ ءابَاؤُنَا الاولون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 47، 48‏]‏ فالكلام عود إلى ذلك بعد رده كأنه قيل‏:‏ أفبهذا الحديث الذي تتحدثون به في إنكار البعث أنتم مدهنون أصحابكم أي تعلمون خلافه وتقولونه مداهنة أم أنتم به جاذمون وعلى الإصرار عليه عازمون، ولا يخفى بعده، وفيه مخالفة لسبب النزول وستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏82‏]‏

‏{‏وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ‏(‏82‏)‏‏}‏

‏{‏وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ‏}‏ شكركم ‏{‏أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ‏}‏ تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا، أخرج ذلك الإمام أحمد‏.‏ والترمذي وحسنه‏.‏ والضياء في «المختارة»‏.‏ وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو إما إشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى أن في الكلام مضافاً مقدراً أي شكر رزقكم أو إشارة إلى أن الرزق مجاز عن لازمه وهو الشكر، وحكى الهيثم بن عدي أن من لغة ازدشنوءة ما رزق فلان فلاناً بمعنى شكره، ونقل عن الكرماني أنه نقل في «شرح البخاري» أن الرزق من أسماء الشكر واستبعد ذلك ولعله هو ما حكاه الهيثم، وفي «البحر» وغيره أن علياً كرم الله تعالى وجهه‏.‏ وابن عباس قرءا شكركم بدل ‏{‏رَزَقَكُمُ‏}‏ وحمله بعض شراح البخاري على التفسير من غير قصد للتلاوة وهو خلاف الظاهر، وقد أخرج ابن مردويه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ قرأ علي كرم الله تعالى وجهه ‏{‏الواقعة‏}‏ في الفجر فقال‏:‏ ‏{‏وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ‏}‏ فلما انصرف قال‏:‏ إني قد عرفت أنه سيقول قائل لِمَ قرأها هكذا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ كذلك كانوا إذا أمطروا قالوا‏:‏ أمطرنا بنوء كذا وكذا فأنزل الله تعالى وتجعلون شكركم أنكم إذا مطرتم تكذبون ومعنى جعل شكرهم التكذيب جعل التكذيب مكان الشكر فكأنه عينه عندهم فهو من باب‏:‏ تحية بينهم ضرب وجيع *** ومنه قول الراجز‏:‏ وكان شكر القوم عند المنن *** ‏(‏كي الصحيحات وفقء الأعين‏)‏

وأكثر الروايات أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَجْعَلُونَ‏}‏ الخ نزل في القائلين‏:‏ مطرنا بنوء كذا من غير تعرض لما قبل‏.‏

وأخرج مسلم‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ «مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام‏:‏ أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا‏:‏ هذه رحمة وضعها الله وقال بعضهم‏:‏ لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الآية ‏{‏فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم‏}‏ حتى بلغ ‏{‏وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 75 82‏]‏‏.‏

وأخرج نحوه ابن عساكر في تاريخه عن عائشة رضي الله تعالى عنها وكان ذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي عروة رضي الله تعالى عنه في غزوة تبوك نزلوا الحجر فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن لا يحملوا من مائه شيئاً ثم ارتحلوا ونزلوا منزلاً آخر وليس معهم ماء فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عليه الصلاة والسلام فصلى ركعتين ثم دعا فأمطروا وسقوا فقال رجل من الأنصار يتهم بالنفاق‏:‏ إنما مطرنا بنوء كذا فنزل ما نزل، ولعل جمعاً من الكفار قالوا نحو ذلك أيضاً بل هم لم يزالوا يقولون ذلك، والأخبار متضافرة على أن الآية في القائلين بالأنواء، بل قال ابن عطية‏:‏ أجمع المفسرون على أنها توبيخ لأولئك، وظاهر مقابلة الشكر بالكفر في الحديث السابق أن المراد بالكفر كفران النعمة إذا أضيفت لغير موجدها جل جلاله؛ وقد صح ذكره مع الإيمان، أخرج البخاري‏.‏

ومسلم‏.‏ وأبو داود‏.‏ والنسائي‏.‏ وغيرهم عن زيد بن خالد الجهني قال‏:‏ ‏"‏ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل فلما سلم أقبل علينا فقال‏:‏ هل تدرون ما قال ربكم في هذه الليلة‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم فقال‏:‏ قال‏:‏ ما أنعمت على عبادي نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين فأما من آمن بي وحمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي ‏"‏ والآية على القول بنزولها في قائلين ذلك ظاهرة في كفرهم المقابل للإيمان فكأنهم كانوا يقولونه عن اعتقاد أن الكواكب مؤثرة حقيقة موجدة للمطر وهو كفر بلا ريب بخلاف قوله مع اعتقاد أنه من فضل الله تعالى، والنوء ميقات وعلامة له فإنه ليس بكفر، وقيل‏:‏ تسميته كفراً لأنه يفضي إليه إذا اعتقد أنه مؤثر حقيقة‏.‏

هذا وقيل‏:‏ معنى الآية وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به، ويشير إلى ذلك ما رواه قتادة عن الحسن بئس ما أخذ القوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب الله تعالى إلا التكذيب‏.‏

وفي «الإرشاد» أنه الأوفق لسياق النظم الكريم وسباقه، وأقول ما قدمناه تفسير مأثور نطقت به السنة المقبولة، وذهب إليه الجمهور وليس فيه ما يأبى إرادة معنى مطابق لسبب النزول وموافق لسياق النظم الكريم وسباقه، وذلك بأن يقال‏:‏ إنه عز وجل بعد أن وصف القرآن بما دل على جلالة شأنه وعزة مكانه وأشعر باشتماله على ما فيه تزكية النفوس وتحليتها بما يوجب كمالها من العقائد الحقة ونحوها حيث قال سبحانه‏:‏ ‏{‏تَنزِيلٌ مّن رَّبّ العالمين‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 80‏]‏ فعبر جل وعلا عن ذاته سبحانه بلفظ الرب الدال على التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً‏.‏

وقد يستفاد ذلك من وصفه بكريم بناءاً على أن المراد به نفاع جم المنافع فإنه لا منفعة أجل مما ذكر وكان قد ذكر عز وجل غير بعيد ما يدل على أنه تعالى هو المنزل لماء المطر لا غيره سبحانه استقلالاً ولا اشتراكاً قال عز قائلاً‏:‏ أفبهذا القرآن الجليل الشأن المشتمل على العقائد الحقة المرشد إلى ما فيه نفعكم أنتم متهاونون فلا تشكرون الله تعالى عليه وتجعلون بدل شكركم أنكم تكذبون به، ومن ذلك أنكم تقولون إذا مطرتم مطرنا بنوء كذا وكذا فتسندون إنزال المطر إلى الكواكب وقد أرشدكم غير مرة إلى ما يأبى ذلك من العقائد وهداكم إلى أنه تعالى هو المنزل للمطر لا الكواكب ولا غيرها أصلاً فما جاء من تفسير تكذبون بتقولون مطرنا بنوء كذا وكذا ليس المراد منه إلا بيان نوع اقتضاه الحال من التكذيب بالقرآن المنعوت بتلك النعوت الجليلة وكون ذلك على الوجه الذي يزعمه الكفار تكذيباً به مما لا ينتطح فيه كبشان، وهذا لا تمحل فيه، وقد يقال على تقدير أن يراد بالرزق المطر وكون ‏{‏تُكَذّبُونَ‏}‏ على معنى تكذبون بكونه أي المطر من الله تعالى حيث تنسبونه إلى الأنواء وإن لم أقف على التصريح به في أثر يعول عليه، المعنى أفبهذا القرآن الجليل المرشد إلى أن كل نعمة منه تعالى لا غير المصرح عن قريب بأنه المنزل للمطر وحده أنتم مدهنون أي تكذبون على ما سمعت عن ابن عباس‏.‏

والزجاج ومن ذلك أنكم ‏{‏تجعلون‏}‏ موضع شكر ما يرزقكم من المطر وينزله لكم أنكم تكذبون بكونه من الله تعالى وتنسبونه إلى الأنواء، والتبكيت الآتي مبني على تكذيبهم بالقرآن المفهوم من ‏{‏بِهَا تُكَذّبُونَ‏}‏ أو من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 81‏]‏ لكن التكذيب به باعتبار التكذيب ببعض ما نطق به بما سبق وتوقف المراد بالآية على الخبر غير بدع في القرآن الكريم، وحال عطف ‏{‏وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 82‏]‏ على ما قبله لا يخفى على نبيه، فتأمل والله تعالى الموفق لفهم كتابه الكريم‏.‏

وقرأ المفضل عن عاصم ‏{‏تكذنون‏}‏ بالتخفيف من الكذب وهو قولهم في القرآن إنه وحاشاه افتراء ويرجع إلى هذا قولهم في المطر‏:‏ إنه من الأنواء لأن القرآن ناطق بخلافه، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏83‏]‏

‏{‏فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ‏(‏83‏)‏‏}‏

‏{‏تُكَذّبُونَ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم‏}‏ الخ تبكيت كما سمعت وذلك باعتبار تكذيبهم بما نطق به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نَحْنُ خلقناكم‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 57‏]‏ الخ أعني الآيات الدالة على كونهم تحت ملكوته تعالى من حيث ذواتهم ومن حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم ولولا للتحضيض بإظهار عجزهم، و‏{‏إِذَا‏}‏ ظرفية، و‏{‏الحلقوم‏}‏ مجرى الطعام؛ وضمير ‏{‏بَلَغَتِ‏}‏ للنفس لانفهامها من الكلام وإن لم يجر لها ذكر قبل، والمراد بها الروح بمعنى البخار المنبعث عن القلب دون النفس الناطقة فإنها لا توصف بما ذكر وكأنه مبني على القول بتجرد النفس الناطقة وهي المسماة بالروح الأمرية، وأنها لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتصف بصفات الأجسام كالصعود والنزول وغيرهما على ما اختاره حجة الإسلام الغزالي وجماعة من المحققين، ومذهب السلف أن النفس الناطقة وهي الروح المشار إليها بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏ جسم لطيف جداً سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو حي بنفسه يتصف بالخروج والدخول وغيرهما من صفات الأجسام، وقد رد العلامة ابن القيم قول الغزالي ومن وافقه بأدلة كثيرة ذكرها في كتابه الروح، ووصفها ببلوغ الحلقوم عليه ظاهر‏.‏

وأما على القول بالتجرد وعدم التحيز فقيل‏:‏ المراد به ضعف التعلق بالبدن وقرب انقطاعه عنه فكأنه قيل‏:‏ فلولا إذا حان انقطاع تعلق الروح بالبدن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏84‏]‏

‏{‏وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ‏(‏84‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَنتُمْ‏}‏ أيها الحاضرون حول صاحبها ‏{‏حِينَئِذٍ‏}‏ أي حين إذ بلغت الحلقوم ووصلت إليه أو حان انقطاع تعلقها ‏{‏تَنظُرُونَ‏}‏ إلى ما يقاسيه من الغمرات، وقيل‏:‏ ‏{‏تَنظُرُونَ‏}‏ حالكم ووجهه أنهم يعلمون أن ما جرى عليه يجري عليهم فكأنهم شاهدوا حال أنفسهم وليس بذاك‏.‏

وقرأ عيسى حينئذٍ بكسر النون اتباعاً لحركة الهمزة في إذ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏85‏]‏

‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ‏(‏85‏)‏‏}‏

‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ‏}‏ أي المحتضر المفهوم من الكلام ‏{‏مّنكُمْ‏}‏ والمراد بالقرب العلم وهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب فإن القرب أقوى سبب للاطلاع والعلم، وقال غير واحد‏:‏ المراد القرب علماً وقدرة أي نحن أقرب إليه في كل ذلك منكم حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدونه من آثار الشدّة من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها الحقيقية ولا أن تقدروا على مباشرة دفعها إلا بما لا ينجع شيئاً ونحن المستولون لتفاصيل أحواله بعلمنا وقدرتنا أو بملائكة الموت ‏{‏ولكن لاَّ تُبْصِرُونَ‏}‏ لا تدركون كوننا أقرب إليه منكم لجهلكم بشؤوننا وقد علمت أن الخطاب للكفار، وقيل‏:‏ لا تدركون كنه ما يجري عليه على أن الاستدراك من ‏{‏تنظرون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 84‏]‏؛ والإبصار من البصر بالعين تجوّز به عن الإدراك أو هو من البصيرة بالقلب، وقيل‏:‏ أريد بأقربيته تعالى إليه منهم أقربية رسله عز وجل أي ورسلنا الذين يقبضون روحه ويعالجون إخراجها أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرونهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏86‏]‏

‏{‏فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ‏(‏86‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ‏}‏ أي غير مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم وتعبدهم، ومنه قيل للعبد‏:‏ مدين وللأمة مدينة قال الأخطل‏:‏ ربت وربا في حجرها ابن «مدينة» *** تراه على مسحاته يتركل

والكلام ناظر إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نَحْنُ خلقناكم فَلَوْلاَ تُصَدّقُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 57‏]‏، وقيل‏:‏ هو من دان بمعنى انقاد وخضع، وتجوز به عن الجزاء كما في قولهم كما تدين تدان أي فلولا إن كنتم غير مجزيين وجعل ناظراً لإنكارهم البعث وليس بشيء

تفسير الآية رقم ‏[‏87‏]‏

‏{‏تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

‏{‏تَرْجِعُونَهَا‏}‏ أي الروح إلى مقرها والقائلون بالتجرد يقولون أي ترجعون تعلقها كما كان أولاً‏.‏

‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ في اعتقادكم عدم خالقيته تعالى فإن عدم تصديقهم بخالقيته سبحانه لهم عبارة عن تصديقهم بعدمها على مذهبهم، وفي «البحر» وغيره إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي والمميت المبدىء المعيد ونسبتكم إنزال المطر إلى الأنواء دونه عز وجل، وترجعون المذكور هو العامل بإذا الظرفية في ‏{‏إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 83‏]‏ وهو المحضض عليه بلولا الأولى، و‏{‏لَوْلاَ‏}‏ الثانية تكرير للتأكيد، و‏{‏لَوْلاَ‏}‏ الأولى مع ما في حيزها دليل جواب الشرط الأول أعني ‏{‏إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 86‏]‏ والشرط الثاني مؤكد للأول مبين له، وقدم أحد الشرطين على ‏{‏تَرْجِعُونَهَا‏}‏ للاهتمام والتقدير فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين صادقين فيما تزعمونه من الاعتقاد الباطل فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم وحاصل المعنى أنكم إن كنتم غير مربوبين كما تقتضيه أقوالكم وأفعالكم فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغت الحلقوم وتردونها كما كانت بقدرتكم أو بواسطة علاج للطبيعة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 84‏]‏ جملة حالية من فاعل ‏{‏بَلَغَتِ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 83‏]‏ والاسمية المقترنة بالواو لا تحتاج في الربط للضمير لكفاية الواو فلا حاجة إلى القول بأن العائد ما تضمنه حينئذٍ لأن التنوين عوض عن جملة أي فلولا ترجعونها زمان بلوغها الحلقوم حال نظركم إليه وما يقاسيه من هول النزع مع تعطفكم عليه وتوفركم على إنجائه من المهالك، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 85‏]‏ الخ اعتراض يؤكد ما سيق له الكلام من توبيخهم على صدور ما يدل على سوء اعتقادهم بربهم سبحانه منهم، وفي جواز جعله حالاً مقال‏.‏

وقال أبو البقاء‏:‏ ‏{‏تَرْجِعُونَهَا‏}‏ جواب ‏{‏لَوْلاَ‏}‏ الأولى، وأغني ذلك عن جواب الثانية، وقيل‏:‏ عكس ذلك‏.‏

وقيل‏:‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ‏}‏ شرط دخل على شرط فيكون الثاني مقدماً في التقدير أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مربوبين فارجعوا الأرواح إلى الأبدان وما ذكرناه سابقاً اختيار جار الله وأياً مّا كان فقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏88‏]‏

‏{‏فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ‏(‏88‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين‏}‏ إلى آخره شروع في بيان حال المتوفى بعد الممات إثر بيان حاله عند الوفاة وضمير ‏{‏كَانَ‏}‏ للمتوفى المفهوم مما مر أي فأما إن كان المتوفى الذي بين حاله من السابقين من الأزواج الثلاثة عبر عنهم بأجل أوصافهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏89‏]‏

‏{‏فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ‏(‏89‏)‏‏}‏

‏{‏فَرَوْحٌ‏}‏ أي فله روح على أنه مبتدأ خبره محذوف مقدم عليه لأنه نكرة، وقيل‏:‏ خبر مبتدأ محذوف أي فجزاؤه روح أي استراحة، والفاء واقعة في جواب أما، قال بعض الأجلة‏:‏ تقدير هذا الكلام مهما يكن من شيء فروح الخ إن كان من المقربين فحذف مهما يكن من شيء، وأقيم أما مقامه ولم يحسن أن يلي الفاء أما، فأوقع الفصل بين أما والفاء بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِن كَانَ مِنَ المقربين‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 88‏]‏ لتحسين اللفظ كما يقع الفصل بينهما بالظرف والمفعول، والفاء في ‏{‏فَرَوْحٌ‏}‏ وأخويه جواب أما دون ‏{‏ءانٍ‏}‏، وقال أبو البقاء‏:‏ جواب أما ‏{‏فَرَوْحٌ‏}‏، وأما ‏{‏ءانٍ‏}‏ فاستغنى بجواب أما عن جوابها لأنه يحذف كثيراً، وفي «البحر» أنه إذا اجتمع شرطان فالجواب للسابق منهما، وجواب الثاني محذوف، فالجواب ههنا لأما، وهذا مذهب سيبويه‏.‏

وذهب الفارسي إلى أن المذكور جواب ‏{‏ءانٍ‏}‏ وجواب أما محذوف، وله قول آخر موافق لمذهب سيبويه‏.‏

وذهب الأخفش إلى أن المذكور جواب لهما معاً، وقد أبطلنا المذهبين في شرح التسهيل انتهى، والمشهور أنه لا بد من لصوق الاسم لأما وهو عند الرضي وجماعة أكثري لهذه الآية، والذاهبون إلى الأول قالوا‏:‏ هي بتقدير فأما المتوفى ‏{‏إِن كَانَ‏}‏ وتعقب بأنه لا يخفى أن التقدير مستغنى عنه ولا دليل عليه إلا اطراد الحكم، ثم إن كون أما قائمة مقام مهما يكن أغلبي إذ لا يطرد في نحو أما قريشاً فأنا أفضلها إذ التقدير مهما ذكرت قريشاً فأنا أفضلها، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من كتب العربية‏.‏

وأخرج الإمام أحمد‏.‏ والبخاري في تاريخه‏.‏ وأبو داود‏.‏ والنسائي‏.‏ والترمذي وحسنه‏.‏ والحاكم وصححه‏.‏ وآخرون عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ‏{‏فَرَوْحٌ‏}‏ بضم الراء، وبه قرأ ابن عباس‏.‏ وقتادة‏.‏ ونوح القارىء‏.‏ والضحاك‏.‏ والأشهب‏.‏ وشعيب‏.‏ وسليمان التيمي‏.‏ والربيع بن خيثم‏.‏ ومحمد بن علي‏.‏ وأبو عمران الجوني‏.‏ والكلبي‏.‏ وفياض‏.‏ وعبيد‏.‏ وعبد الوارث عن أبي عمرو‏.‏ ويعقوب بن حسان‏.‏ وزيد‏.‏ ورويس عنه‏.‏ والحسن وقال‏:‏ ‏{‏الروح‏}‏ الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم، أو سبب لحياته الدائمة فإطلاقه عليها من باب الاستعارة أو المجاز المرسل، وروي هذا عن قتادة أيضاً، وقال ابن جني‏:‏ معنى هذه القراءة يرجع إلى معنى الروح فكأنه قيل‏:‏ فله ممسك روح وممسكها هو الروح كما تقول‏:‏ الهواء هو الحياة وهذا السماع هو العيش، وفسر بعضهم الروح بالفتح الرحمة أيضاً كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 87‏]‏ وقيل‏:‏ هو بالضم البقاء ‏{‏وَرَيْحَانٌ‏}‏ أي ورزق كما روي عن ابن عباس‏.‏ ومجاهد‏.‏ والضحاك، وفي رواية أخرى عن الضحاك أنه الاستراحة، وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قال‏:‏ هو هذا الريحان أي المعروف‏.‏

وأخرج ابن جرير عنه أنه قال‏:‏ تخرج روح المؤمن من جسده في ريحانة؛ ثم قرأ ‏{‏فَأَمَّا إِن كَانَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 88‏]‏ الخ‏.‏

وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال‏:‏ لم يكن أحد من المقربين يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصنين من ريحان الجنة فيشمهما ثم يقبض ‏{‏وجنات نَعِيمٍ‏}‏ أي ذات تنعم فالإضافة لامية أولادنى ملابسة، وهذا إشارة إلى مكان المقربين بحيث يلزم منه أن يكونوا أصحاب نعيم‏.‏

وأخرج الإمام أحمد في الزهد‏.‏ وابن أبي شيبة‏.‏ وعبد بن حميد‏.‏ وابن المنذر عن الربيع بن خيثم قال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ‏}‏‏:‏ هذا له عند الموت، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَنَّةٍ نَعِيمٍ‏}‏ تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث ولينظر ما المراد بالريحان على هذا، وعن بعض السلف ما يقتضي أن يكون الكل في الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏90‏]‏

‏{‏وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ‏(‏90‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أصحاب اليمين‏}‏ عبر عنهم بالعنوان السابق إذ لم يذكر لهم فيما سبق وصف ينبىء عن شأنهم سواه كما ذكر للفريقين الأخيرين، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏91‏]‏

‏{‏فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ‏(‏91‏)‏‏}‏

‏{‏فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين‏}‏ قيل‏:‏ هو على تقدير القول أي فيقال لذلك المتوفى منهم سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين أي يسلمون عليك كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 25، 26‏]‏ فالخطاب لصاحب اليمين ولا التفات فيه مع تقدير القول، و‏{‏مِنْ‏}‏ للابتداء كما تقول سلام من فلان على فلان وسلام لفلان منه‏.‏

وقال الطبري‏:‏ معناه فسلام لك أنت من أصحاب اليمين، فمن أصحاب اليمين خبر مبتدأ محذوف والكلام بتقدير القول أيضاً، وكأن هذا التفسير مأخوذ من كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما‏.‏

أخرج ابن جرير‏.‏ وابن المنذر عنه أنه قال في ذلك‏:‏ تأتيه الملائكة من قبل الله تعالى تسلم عليه وتخبره أنه من أصحاب اليمين، والظاهر أن هذا على هذا المعنى عند الموت، وأنه على المعنى السابق في الجنة‏.‏

وجوز أن يكون المعنى فسلامة لك عما يشغل القلب من جهتهم فإنهم في خير أي كن فارغ البال عنهم لا يهمك أمرهم، وهذا كما تقول لمن علق قلبه بولده الغائب وتشوش فكره لا يدري ما حاله كن فارغ البال من ولدك فإنه في راحة ودعة، والخطاب لمن يصلح له أو لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وعليه قيل‏:‏ يجوز أن يكون ذلك تسلية له عليه الصلاة والسلام على معنى أنهم غير محتاجين إلى شفاعة وغيرها، ولا يخفى أن كون جميع أصحاب اليمين غير محتاجين إلى ما ذكر غير مسلم فالشفاعة لأهل الكبائر أمر ثابت عند أهل السنة ولا جائز أن يكونوا من أصحاب الشمال فصرائح الآيات أنهم كفار ‏{‏مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 18‏]‏ وكونهم من أصحاب اليمين أقرب من كونهم من السابقين وجعلهم قسماً على حدة قد علمت حاله فتذكر فما في العهد من قدم‏.‏

وذكر بعض الأجلة أن هذه الجملة كلام يفيد عظمة حالهم كما يقال فلان ناهيك به وحسبك أنه فلان إشارة إلى أنه ممدوح فوق حد التفصيل، وكأني بك تختار ذلك فإنه حسن لطيف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏92‏]‏

‏{‏وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ‏(‏92‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضالين‏}‏ وهم أصحاب الشمال عبر عنهم بذلك حسبما وصفوا به عند بيان أحوالهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون المكذبون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 51‏]‏ ذمّاً لهم بذلك وإشعاراً بسبب ما ابتلوا به من العذاب، ولما وقع هذا الكلام بعد تحقق تكذيبهم ورده على أتم وجه ولم يقع الكلام السابق كذلك قدم وصف التكذيب هنا على عكس ما تقدم، ويجوز أن يقال في ذلك على تقدير عموم متعلق التكذيب بحيث يشمل تكذيبه صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة إن هذا الكلام إخبار من جهته سبحانه بأحوال الأزواج الثلاثة لم يؤمر عليه الصلاة والسلام بأن يشافه بكل جملة منه من هي فيه فقدم فيه وصف التكذيب الشامل لتكذيبه عليه الصلاة والسلام المشعر بسبب الابتلاء بالعذاب كرامة له صلى الله عليه وسلم وتنويهاً بعلو شأنه، ولما كان الكلام السابق داخلاً في حيز القول المأمور عليه الصلاة والسلام بأن يشافه به أولئك الكفرة لم يحسن التقديم للكرامة إذ يكون حينئذٍ من باب مادح نفسه يقرئك السلام، ويجوز أن يقال أيضاً إن الكلام في حال الكافر المحتضر والتكذيب لكونه مقابل التصديق لا يكون إلا بالقلب وهو لم يتعطل منه تعطل سائر أعضائه فلذا قدم هنا، ويرشد إلى هذا ما قالوه في دعاء صلاة الجنازة اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان من وجه تخصيص الإسلام بالإحياء والإيمان بالإماتة‏.‏

وقال الإمام في ذلك‏:‏ إن المراد من الضلال هناك ما صدر عنهم من الإصرار على الحنث العظيم فضلوا عن سبيل الله تعالى ولم يصلوا إليه ثم كذبوا رسله، ‏{‏وَقَالُواْ أَءذَا مِتْنَا‏}‏ الخ فكذبوا بالحشر فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَيُّهَا الضالون‏}‏ الذين أشركتم المكذبون الذين أنكرتم الحشر لآكلون ما تكرهون، وأما هنا فقال سبحانه لهم‏:‏ أيها المكذبون الذين كذبتم بالحشر الضالون من طريق الخلاص الذين لا يهتدون إلى النعيم، وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب هناك مع الكفار فقال سبحانه‏:‏ أيها الذين أشركتم أولاً وكذبتم ثانياً، والخطاب هنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يبين له عليه الصلاة والسلام حال الأزواج الثلاثة كما يدل عليه‏.‏ فسلام لك فقال سبحانه‏:‏ المقربون في روح وريحان وجنة ونعيم وأصحاب اليمين في سلامة، وأما المكذبون الذين كذبوك وضلوا فقدم تكذيبهم إشارة إلى كرامته صلى الله عليه وسلم حيث بين أن أقوى سبب في عقابهم تكذيبهم انتهى‏.‏

وعليك بالتأمل والإنصاف والنظر لما قال دون النظر لمن قال، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏93‏]‏

‏{‏فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ‏(‏93‏)‏‏}‏

‏{‏فَنُزُلٌ‏}‏ بتقدير فله نزل أو فجزاؤه نزل كائن ‏{‏مِنْ حَمِيمٍ‏}‏ قيل‏:‏ يشرب بعد أكل الزقوم كما فصل فيما قبل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏94‏]‏

‏{‏وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ‏(‏94‏)‏‏}‏

‏{‏وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ‏}‏ أي إدخال في النار، وقيل‏:‏ إقامة فيها ومقاساة لألوان عذابها وكل ذلك مبني على أن المراد بيان ما لهم يوم القيامة، وقيل‏:‏ هذا محمول على ما يجده في القبر من حرارة النار ودخانها لأن الكلام في حال التوفي وعقب قبض الأرواح والأنسب بذلك كون ما ذكر في البرزخ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية‏:‏ لا يخرج الكافر حتى يشرب كأساً من حميم، وقرأ أحمد بن موسى‏.‏ والمنقري‏.‏ واللؤلؤي عن أبي عمرو ‏{‏وَتَصْلِيَةُ‏}‏ بالجر عطفاً على ‏{‏حَمِيمٍ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 93‏]‏‏}‏‏.‏